أحمد بن محمد القسطلاني

179

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الغيث ( أرضًا ) الجملة من الفعل والفاعل والمفعول في موضع نصب على الحال بتقدير قد ( فكان منها ) أي من الأرض أرض ( نقية ) بنون مفتوحة وقاف مكسورة ومثناة تحتية مشددة أي طيبة ( قبلت الماء ) بفتح القاف وكسر الموحدة من القبول ( فانبتت الكلأ ) بفتح الكاف واللام آخره مهموز مقصور النبات يابسًا ورطبًا ( والعشب ) الرطب منه وهو نصب عطفًا على المفعول ( الكثير ) صفة للعشب فهو من ذكر الخاص بعد العام . وفي حاشية أصل أبي ذر وهو عند الخطابي والحميدي ثغبة بمثلثة مفتوحة وغين معجمة مكسورة ، وقد تسكن بعدها باء موحدة خفيفة مفتوحة . وفي فرع اليونينية ثغبة مضبب عليها وهي بضم المثلثة وتسكين الغين وهو مستنقع الماء في الجبال والصخور كما قاله الخطابي ، لكن ردّه القاضي عياض وجزم بأنه تصحيف وقلب للتمثيل قال لأنه إنما جعل هذا المثل فيما ينبت والثغاب لا تنبت ، والذي رويناه من طرق البخاري كلها بالنون مثل قوله في مسلم طائفة طيبة قبلت الماء . ( وكانت ) وفي بعض النسخ وكان ( منها أجادب ) بالجيم والدال المهملة جمع جدب بفتح الدال المهملة على غير قياس ولغير الأصيلي أجاذب بالمعجمة ، قال الأصيلي : وبالمهملة هو الصواب أي لا تشرب ماء ولا تنبت ( أمسكت الماء فنفع الله بها ) أي بالأجادب ، وللأصيلي به ( الناس ) والضمير المذكر للماء ( فشربوا ) من الماء ( وسقوا ) دوابهم وهو بفتح السين ( وزرعوا ) ما يصلح للزرع ، ولمسلم وكذا النسائي ورعوا من الرعي ، وضبط المازري أجاذب بالذال المعجمة وهمه فيه القاضي عياض ، ولأبي ذر إخاذات بهمزة مكسورة وخاء خفيفة وذال معجمتين آخره مثناة فوقية قبلها ألف جمع إخّاذ وهي الأرض التي تمسك الماء كالغدير . وعند الإسماعيلي أحارب بحاء وراء مهملتين آخره موحدة . ( وأصاب منها طائفة أخرى ) وللأصيلي وكريمة وأصابت أي أصابت طائفة أخرى ووقع كذلك صريحًا عند النسائي ( إنما هي قيعان ) بكسر القاف جمع قاع وهو أرض مستوية ملساء ( لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ) بضم المثناة الفوقية فيهما ( فذلك ) أي ما ذكر من الأقسام الثلاثة ( مثل ) بفتح الميم والمثلثة ( من فقه ) بضم القاف وقد تكسر أي صار فقيهًا ( في دين الله ونفعه ما ) وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر بما أي بالذي ( بعثني الله ) عز وجل ( به فعلم ) ما جئت به ( وعلم ) غيره وهذا يكون على قسمين : الأوّل العالم العامل المعلم وهو كالأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها ، والثاني الجامع للعلم المستغرق زمانه فيه المعلم غيره لكنه لم يعمل بنوافله أو لم يتفقه فيما جمع ، فهو كالأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به . ( ومثل ) بفتح الميم والمثلثة ( من لم يرفع بذلك رأسًا ) أي تكبر ولم يلتفت إليه من غاية تكبره وهو من دخل في الدين ولم يسمع العلم أو سمعه فلم يعمل به ولم يعلمه ، فهو كالأرض السبخة التي لا تقبل الماء وتفسده على غيرها وأشار بقوله : ( ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) إلى من لم يدخل في الدين أصلاً بل بلغه فكفر به وهو كالأرض الصماء الملساء المستوية التي يمر عليها الماء فلا تنتفع به . قال في المصابيح : وتشبيه الهدى والعلم بالغيث المذكور تشبيه مفرد بمركب إذ الهدى مفرد وكذا العلم ، والمشبه به وهو غيث كثير أصاب أرضًا منها ما قبلت فأنبتت ، ومنها ما أمسكت خاصة ، ومنها ما لم تنبت ولم تمسك مركب من عدة أمور كما تراه وشبه من انتفع بالعلم ونفع به بأرض قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب ، وهو تمثيل لأن وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من قبول المحل لما يرد عليه من الخير مع ظهور أماراته وانتشارها على وجه عام الثمرة متعدي النفع ، ولا يخفى أن هذه الهيئة منتزعة من أمور متعددة ، ويجوز أن يشبه انتفاعه بقبول الأرض الماء ونفعه المتعدي بإنباتها الكلأ والعشب ، والأوّل أفحل وأجزل لأن في الهيئات المركبات من الوقع في النفس ما ليس في المفردات في ذواتها من غير نظر إلى تضامها ولا التفات إلى هيئتها الاجتماعية ، قال الشيخ عبد القاهر في قول القائل :